28 - 06 - 2026

كلام لبكره | الأموال الساخنة.. طوق نجاة مؤقت أم قنبلة موقوتة في الاقتصاد المصري؟

كلام لبكره | الأموال الساخنة.. طوق نجاة مؤقت أم قنبلة موقوتة في الاقتصاد المصري؟

ليس كل دولار يدخل خزائن الدولة يمثل مكسبًا حقيقيًا، وليس كل تدفق للنقد الأجنبي دليلًا على قوة الاقتصاد. فهناك أموال تأتي لتبني مصنعًا، أو تستصلح أرضًا، أو تنشئ مشروعًا يوفر آلاف فرص العمل، وهذه استثمارات تترك أثرًا يبقى لعقود. وهناك أموال أخرى لا تعرف الوطن، ولا تعترف بالتنمية، ولا تبحث عن الإنتاج، وإنما تأتي حاملة حقيبتها، وتغادر بها في أول إشارة للخطر. تلك هي "الأموال الساخنة"، التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة أحد أهم مصادر التمويل السريع للدول التي تعاني من عجز الموازنة ونقص النقد الأجنبي.

وخلال عامي 2025 و2026 استمرت مصر في استقبال تدفقات كبيرة من استثمارات المحافظ الأجنبية في أذون وسندات الخزانة، مستفيدة من ارتفاع أسعار الفائدة، واستقرار سوق الصرف بعد إصلاحات مارس 2024، وعودة الثقة تدريجيًا في الاقتصاد المصري. وتشير التقديرات الصادرة عن المؤسسات المالية الدولية إلى أن هذه التدفقات بلغت عشرات المليارات من الدولارات خلال العامين، لتصبح أحد أهم مصادر توفير العملة الأجنبية وتمويل احتياجات الدولة قصيرة الأجل.

ورغم أن هذه التدفقات ساهمت في دعم الاحتياطي النقدي، وخففت الضغوط على سوق الدولار، فإنها أعادت إلى الواجهة سؤالًا قديمًا يتكرر مع كل أزمة اقتصادية: هل تبني الدول اقتصادها بأموال لا تعرف الاستقرار؟

إن الأموال الساخنة ليست استثمارًا بالمعنى الحقيقي، وإنما هي رؤوس أموال تبحث عن أعلى عائد في أقل وقت وبأقل مخاطرة ممكنة. فهي تدخل الأسواق المالية لشراء أذون وسندات الخزانة، أو الاستثمار في البورصة، دون أن تنشئ مصنعًا أو مزرعة أو شركة إنتاجية. وإذا شعرت بأن هناك فرصة أفضل في دولة أخرى، أو توقعت اضطرابًا اقتصاديًا أو سياسيًا، فإنها تغادر في ساعات، تاركة وراءها اضطرابًا في أسواق المال والعملات.

ولهذا السبب سميت بالأموال الساخنة؛ فهي لا تستقر في مكان، ولا ترتبط بمصلحة وطنية، ولا يعنيها مستقبل الاقتصاد الذي تستثمر فيه، وإنما يعنيها فقط حجم الأرباح وسرعة تحقيقها.

قد يتساءل البعض: إذا كانت هذه الأموال بهذه الخطورة، فلماذا تلجأ إليها الحكومة؟

والإجابة أن الحكومات، خصوصًا في الدول النامية، لا تلجأ إليها حبًا فيها، وإنما اضطرارًا إليها. فالدولة تواجه التزامات ضخمة لا تنتظر؛ رواتب الموظفين، ودعم السلع، وخدمة الدين، وسداد الالتزامات الخارجية، وتمويل المشروعات العامة، وكل ذلك يحتاج إلى سيولة مستمرة.

وعندما لا تكفي الإيرادات الضريبية، ولا تحقق الصادرات والعملات الأجنبية التدفقات المطلوبة، يصبح الاقتراض أو جذب الأموال الساخنة أحد الخيارات السريعة لتوفير السيولة.

كما أن هذه الأموال تمنح البنك المركزي قدرًا من الاستقرار المؤقت في سوق الصرف، لأنها توفر الدولار وتدعم الاحتياطي النقدي، وهو ما ينعكس على ثقة المستثمرين ويهدئ تقلبات السوق.

لكن هذا الاستقرار يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة؛ فهو يظل مرهونًا ببقاء تلك الأموال داخل البلاد.

أما السؤال الأكثر أهمية فهو: لماذا يفضل أصحاب الأموال الساخنة مصر؟

الإجابة بسيطة؛ لأن المستثمر المالي يبحث دائمًا عن ثلاثة عناصر: سعر فائدة مرتفع، وسوق كبيرة، وقدرة على الخروج وقتما يشاء.

ومصر خلال العامين الماضيين وفرت هذه العناصر مجتمعة.

فقد حافظ البنك المركزي على أسعار فائدة مرتفعة نسبيًا لمواجهة التضخم، وهو ما جعل أذون الخزانة المصرية من بين الأعلى عائدًا في الأسواق الناشئة.

كما أدى تحرير سعر الصرف إلى إزالة كثير من القيود التي كانت تعوق دخول وخروج المستثمرين، وأصبح بإمكان المستثمر الأجنبي الدخول بالدولار والخروج به بصورة أكثر سهولة.

إضافة إلى ذلك، فإن حجم الاقتصاد المصري، وضخامة سوق الدين الحكومي، يجعلان مصر واحدة من أكبر الأسواق الجاذبة لاستثمارات المحافظ في المنطقة.

غير أن الوجه الآخر لهذه الصورة أقل إشراقًا.

فالاعتماد المفرط على الأموال الساخنة يجعل الاقتصاد عرضة لصدمات خارجية لا يملك السيطرة عليها.

يكفي أن يرفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة، أو أن تندلع حرب في منطقة ما، أو أن تتزايد المخاطر العالمية، حتى يبدأ المستثمرون في سحب أموالهم من الأسواق الناشئة والعودة إلى الأسواق الآمنة.

وهنا تبدأ الأزمة.

يرتفع الطلب على الدولار فجأة، وينخفض المعروض، ويتعرض سعر الصرف لضغوط شديدة، ويضطر البنك المركزي إلى استخدام احتياطياته للدفاع عن العملة، وقد ترتفع أسعار الفائدة بصورة أكبر لاستعادة المستثمرين، فتزداد تكلفة الدين العام، وتتراجع معدلات الاستثمار والإنتاج.

وقد عرفت مصر هذه التجربة من قبل.

فبعد سنوات من التدفقات الكبيرة للأموال الساخنة، خرجت مليارات الدولارات بصورة سريعة مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، وهو ما أحدث ضغوطًا كبيرة على سوق الصرف، وأسهم في أزمة نقص العملة الأجنبية، وأجبر الدولة على اتخاذ إجراءات اقتصادية صعبة.

وهذا يوضح أن الأموال الساخنة قد تكون وسيلة جيدة لعبور أزمة مؤقتة، لكنها لا تصلح أبدًا لتكون أساسًا لبناء اقتصاد قوي.

فالاقتصادات القوية لا تقوم على الأموال التي تدخل صباحًا وتخرج مساءً، وإنما تقوم على المصانع، والمزارع، والتكنولوجيا، والتصدير، والإنتاج الحقيقي.

ولهذا فإن أخطر ما في الأموال الساخنة ليس دخولها، وإنما الاعتياد عليها.

فكلما اعتمدت الدولة عليها في تمويل عجز الموازنة، أصبحت أكثر حساسية لأي تغير في الأسواق العالمية، وتحولت السياسة النقدية تدريجيًا إلى سياسة هدفها إرضاء المستثمر المالي أكثر من خدمة الاقتصاد الحقيقي.

ويظهر ذلك في اضطرار الدولة أحيانًا إلى الإبقاء على أسعار فائدة مرتفعة لجذب الأموال الأجنبية، رغم أن هذه الفائدة المرتفعة ترفع تكلفة الاقتراض على المصانع والشركات، فتتباطأ عجلة الإنتاج.

إن الاقتصاد لا يمكن أن يعيش طويلًا على الاقتراض قصير الأجل، تمامًا كما لا يستطيع الإنسان أن يعيش على المسكنات دون علاج المرض.

ولهذا فإن الطريق الحقيقي للخروج من دائرة الأموال الساخنة يبدأ بتقوية مصادر النقد الأجنبي الدائمة.

فكل مصنع جديد يقلل الحاجة إلى الأموال الساخنة.

وكل زيادة في الصادرات تقلل الاعتماد عليها.

وكل سائح إضافي يدخل البلاد يضيف مصدرًا مستقرًا للدولار.

وكل استثمار أجنبي مباشر ينشئ مشروعًا إنتاجيًا هو أفضل ألف مرة من استثمار مالي يدخل ويخرج في أيام.

كما ينبغي توسيع القاعدة الضريبية من خلال دمج الاقتصاد غير الرسمي، وتحسين كفاءة تحصيل الضرائب دون زيادة الأعباء على المنتجين، وترشيد الإنفاق العام، وإعادة ترتيب أولويات المشروعات الحكومية، بما يحقق أفضل عائد اقتصادي ممكن.

ومن الضروري أيضًا تطوير سوق السندات طويلة الأجل، وتشجيع الادخار المحلي، وزيادة مشاركة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، لأن الاقتصاد الذي يعتمد على مدخرات أبنائه أكثر قدرة على مواجهة الأزمات من الاقتصاد الذي يعتمد على أموال الغرباء.

إن تمويل الموازنة العامة لا ينبغي أن يكون سباقًا محمومًا للاقتراض، بل مشروعًا متكاملًا يقوم على زيادة الإيرادات الحقيقية، وتعظيم الإنتاج، وتحسين كفاءة الإنفاق، وجذب الاستثمار المنتج، لا الاستثمار العابر.

فالمال الذي يبني مصنعًا يظل يعمل عشرات السنين، أما المال الذي يشتري أذون الخزانة فقد يرحل في أول طائرة.

وفي النهاية، لا يمكن إنكار أن الأموال الساخنة قد تؤدي دورًا مهمًا في أوقات الأزمات، وقد تمنح الدولة فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنها ليست علاجًا دائمًا، ولا يمكن اعتبارها دليلًا على قوة الاقتصاد أو نجاح سياساته.

إن الاقتصاد القوي لا يقاس بحجم الأموال التي تدخل إلى البنوك، وإنما بحجم المصانع التي تعمل، والحقول التي تنتج، والموانئ التي تصدر، والشباب الذين يجدون فرص عمل حقيقية.

فالمال الساخن قد ينعش الجسد لبعض الوقت، لكنه لا يصنع مستقبلًا.

أما المستقبل، فلا يبنيه إلا الإنتاج.
------------------------------
بقلم: صلاح العربي


مقالات اخرى للكاتب

كلام لبكره | الأموال الساخنة.. طوق نجاة مؤقت أم قنبلة موقوتة في الاقتصاد المصري؟